Histoire des institutions politiques

Disponible uniquement sur Etudier
  • Pages : 15 (3660 mots )
  • Téléchargement(s) : 0
  • Publié le : 31 mars 2011
Lire le document complet
Aperçu du document
*
*
| |
ما هي المشكلة الأساسية في عصر سبينوزا؟  بل ما هي المشكلة الأساسية على مدار ثلاثمائة سنة من تشكل الحداثة الأوروبية؟ إنها مشكلة الدين والأصولية الدينية. إذا لم نفهم هذه النقطة، إذا لم نعرها الاهتمام الكافي فإننا لن نفهم أبداً جوهر الحداثة ومعاركها الكبرى. عندما نشر سبينوزا كتابه "مقالة في اللاهوت السياسي"  عام 1670، فإن ذلك يعني أنه انخرط في إحدى المعارك الرهيبة التي استمرتبعده طيلة مائتي سنة وأكثر. لقد أراد تحديد العلاقات بين الدين والسياسة، أو بين رجال الدين ورجال الحكم. وأراد أيضاً، وبالدرجة الأولى، البرهنة على الشيء الأساسي التالي : وهي أن حرية التفلسف، أو حرية الضمير والمعتقد والكلام، لا تضرّ أبداً بالسلام العام للدولة ولا تؤدي إلى الفسق والفجور كما يدعي اللاهوتيون. على العكس، إنها شرط أساسي لتحقق هذا السلام ولشيوع الاستقامة والنـزعة الأخلاقية في المجتمع. وبالتاليفلا ينبغي التضييق على الحرية الفكرية أو الفلسفية ما دامت تعبر عن نفسها داخل حدود القانون.
في الواقع إن هذا الكتاب يمثل أول تدخل لسبينوزا في الشؤون الدينية والسياسية لزمنه. ولذلك فهو يحتل مكانة خاصة بين أعماله. فهو قد ظهر في مرحلة حرجة من تاريخ هولندا. فالجدالات اللاهوتية كانت عنيفة بين مختلف الطوائف المسيحية وبالأخص البروتستانتية الكالفينية التي كانت تشكل دين الأغلبية. وذلك على عكس فرنسا، أوإسبانيا، أو إيطاليا حيث يسيطر المذهب الكاثوليكي بشكل مطلق تقريباً. وقد أدت هذه الصراعات اللاهوتية بين مختلف الطوائف البروتسانتية إلى انتصار المذهب الكالفيني أولاً، وذلك قبل أن يحصل تعايش سلمي إلى حد ما بين مختلف هذه الطوائف. وهو تعايش فريد من نوعه في أوروبا آنذاك. فمعظم الدول ما كانت تقبل إلا بمذهب واحد في أراضيها، وكانت تحرِّم كل المذاهب المسيحية الأخرى تحريماً قاطعاً باعتبار أنها منحرفة عن الخطالمستقيم للدين المسيحي، أي عن الأرثوذكسية. وبالتالي فهي مهرطقة، أو زنديقة، ويحل تكفيرها وإدانة أتباعها وحرمانهم من الحقوق السياسية والمدنية. وهذا ما فعله المذهب الكاثوليكي في فرنسا، وإسبانيا، وإيطاليا، والبرتغال، مع البروتستانتيين. وحدها انجلترا كانت تمشي في اتجاه التحرر من الطائفية والمذهبية، أي في الإتجاه الذي سلكته هولندا. بالإضافة إلى الصراعات اللاهوتية المذكورة كانت هناك صراعات على السلطة. وهي صراعاتاندلعت بين عائلة "أورانج" الملكية، وبين المجالس المحلية التي تحكم المدن والأقاليم . فبعد موت الملك غيوم الثاني وصل إلى السلطة شخص مستنير يدعى "جان دوفيت". وشهدت هولندا في عهده ازدهاراً للعلوم والجامعات. وتم إدخال الفلسفة الحديثة إليها، أي فلسفة فرانسيس بيكون، وديكارت، وهوبز. وانتعشت الحياة الثقافية وشهدت دور النشر نشاطاً كبيراً. وأصبحت هولندا منارة للفكر والآداب في كل أنحاء أوروبا. وإذن لماذا نشرسبينوزا كتابه؟ لماذا دافع بشكل مستميت عن حرية الفكر في أكثر بلدان أوروبا تسامحاً وليبرالية؟ لأن التسامح لم يكن كلياً ولا كاملاً. فنحن نعيش في النصف الثاني من القرن السابع عشر لا في القرن العشرين، ينبغي ألا ننسى ذلك. وأصدقاء سبينوزا وناشروه كانوا يعرفون مدى محدودية هذه الحرية. وقد دفعوا الثمن غالياً. وثانياً لأنه إذا كانت الدولة متسامحة، فإن الكنيسة لم تكن كذلك. كان هناك تفاوت كبير بين الحاكم جان دوفيتالمشهور باستنارته وعقلانيته، وبين رجال الدين المتعصبين. وهو تفاوت أدى في نهاية المطاف إلى مقتل الزعيم الهولندي . وأخيراً يمكن القول بأن جو التسامح الذي كانت تعيشه هولندا كان مهدداً، وسبينوزا أول من يعرف ذلك بحسِّه الفلسفي الخارق. فمعروف أن المتشددين البروتستانتيين كانوا مرتبطين بالنظام الملكي المخلوع ويتمنون عودته لأنهم يكرهون جو الحرية والتسامح ولا يستطيعون تحمل كل هذه الزندقة الفكرية!!. صحيح أن النظامالليبرالي كان يبدو واقفاً على قدميه عندما كتب سبينوزا هذا الكتاب الحاسم في تاريخ الفكر. فزعيم هولندا الذي كان صديقه وحاميه كان يترأس جمهورية مزدهرة بالتجارة وذات مؤسسات راسخة ظاهرياً. ولكن بعد سنـتين فقط من ذلك التاريخ حصل الغزو الفرنسي لهولندا، وتمت تصفية الحكم الليبرالي، وأُعيد النظام الملكي الأصولي إلى سدة الحكم. وهكذا انهارت كل أحلام سبينوزا وصدقت تنبؤاته المتشائمة عن الأصوليين أو اللاهوتيين كما يحب أنيسميهم. فهم أصل العلَّة والبلاء : أي أصل الاستبداد والقضاء على الحرية الفلسفية. ولكن كتاب سبينوزا، ككل كتاب فلسفي عظيم، يتجاوز الحالة الهولندية لكي يشمل الحالة الأوروبية وربما الكونية بأسرها. وهو يعكس عدة مستويات من الصراع. فهناك أولاً الصراع المتفجر بين اللاهوت والسياسة. من هنا عنوان الكتاب : مقالة في اللاهوت السياسي، أو بحسب ترجمة أخرى : مقالة في اللاهوت...
tracking img