La technologie au service de la nature

Disponible uniquement sur Etudier
  • Pages : 5 (1022 mots )
  • Téléchargement(s) : 0
  • Publié le : 17 septembre 2010
Lire le document complet
Aperçu du document
نظام إيشلون
 يحيى اليحياوي
 
 
لو كان للمرء أن يقف عند إحدى التداعيات التكنولوجية الكبرى للحرب الباردة بين شرق العالم وغربه، لاستوقفته حتما منظومات التنصت والمراقبة والتجسس التي صممها المعسكران وأقاماها لاختراق الأنظمة المعلوماتية والاتصالاتية لبعضهما البعض في العلن تارة وفي الخفاء تارات أخرى.
 
ولئن كان من المتعذر، في إبانه على الأقل، الاطلاع على الكيفية التي تعمل بها هذه المنظومة أو تلكأو معرفة الرموز المعتمدة لتشغيل كل منهما، فإنه قد أصبح من الممكن بعد ذلك بعقود اكتشافها والاطلاع على جزء كبير من خباياها.
 
لا يعتبر نظام إيشلون أقوى تلك المنظومات إطلاقا كونه يتوفر على قدرات تقنية ولوجيستيكية هائلة في التقاط المعلومات وتخزينها واستغلالها، بل وأيضا لأنه تجسيد حقيقي للعمل المشترك بين الاستخبارات الأمريكية والعديد من وكالات الاستخبارات العالمية ذات المصالح المتقاطعة.
 
وإذا كانالنظام (نظام إيشلون) قد خرج من رحم وكالة الأمن القومي بداية الخمسينات بغرض حماية المكالمات الحكومية والعسكرية أساسا، فإنه تكفل أيضا بالتجسس المضاد ذي الصبغة المدنية الخالصة، ليتحول مع مرور الزمن إلى شبكة ضخمة، مندمجة، متكاملة العناصر التقنية وذات طابع شمولي.
 
ومعنى هذا أن إيشلون إنما هو قلب منظومة من الأقمار الصناعية (الدولية والجهوية والوطنية) تلتقط معظم أنواع المعلومات المتداولة بشبكات الاتصالات،تعالج بمحطات ضخمة بكل من الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا واستراليا وألمانيا ونيوزلندا وغيرها، لتتمركز بين يدي وكالة الأمن القومي (إن.إس.إي) التي تقوم على فرزها وتصنيفها وتحديد درجة أهميتها.
 
هو نظام متناسق البنية، مرتكز على أقمار صناعية عالية الدقة، على محطات هوائية كبرى وعلى لاقطات لكل أشكال المكالمات الهاتفية (كما بالفاكس والتلكس) وكل المراسلات الألكترونية وكل الرموز المتداولة عبر الهواتف النقالةوما سواها.
 
بالتالي، فهو لا يعترض كل الإشارات الكهرومغناطيسية المقتنية للشبكات فحسب، بل ويخترق حتى المشفر منها ليضعها رهن حواسيب ضخمة مصممة في الأصل لالتقاط (وتخزين) ومراقبة مليوني مكالمة في الدقيقة يقوم عليها جيش من المهندسين والمحللين والفيزيائيين وعلماء رياضيات ولغويون ومعلوماتيون وخبراء في العلاقات العامة وضباط أمن وخبراء في فك الرموز المشفرة وإداريون وعلماء نفس وما سواهم من مهنوتخصصات...خصصت لهم ميزانية سنوية تشارف عشرة مليار دولار، ناهيك عن عشرات الآلاف من المراسلين موزعين بمعظم بقاع المعمور.
 
ليس مدعاة للغرابة أن تضع وكالة الأمن القومي (الأمريكية) قاموسا من كلمات السر تستنفر الأقمار الصناعية والمحطات الأرضية وحواسيب المعالجة عند أية عملية اقتناء لشبكات الاتصالات، بل الداعي للاستغراب حقا هو إجبار معظم دول العالم (حتى المتخلف منه) على تطويع وتكييف شبكاتها العمومية كما الخاصة لدمجمفاتيح القاموس هذا وتزويد الوكالة بما "يتحصل" لديها من معلومات أولا بأول، في وقت آني ودونما استفسار من لدنها عن طبيعة ذات المعلومات ولا الهدف منها ولا الغاية من معالجتها.
2
 
نظام إيشلون هو إذن وبكل المقاييس نظام يحسب على العالم، لفائدة الولايات المتحدة، أدق أنفاسه وحركته، آنيا، دونما إذن منه، في زمن واقعي...بالنهار كما بالليل.
 
لا ينحصر دور النظام في اعتراض المعلومات ذات الطابع العسكري أو المرتبطةبالتكنولوجيا الحربية، بل يتعداه إلى إقامة آذان ضخمة لوكالة الأمن القومي على كل البحوث المدنية والصفقات التجارية وحركة العلماء ومشاريع التطوير التكنولوجي بهذه الجهة من العالم أو تلك...وهكذا.
 
وهو بهذا إنما يكرس وبامتياز لمقولة "الكل مع الكل ضد الكل" التي لا يستطيع المرء بمقتضاها معرفة من يتجسس على من، لأي غرض محدد ولخدمة أية أهداف.
 
فأمريكا تخترق وتعترض المعلومات المتعلقة بأعدائها كما بأصدقائها،وإسرائيل تقتفي أسرار حليفها الاستراتيجي وحاميها كما لا تتوانى في اختراق مركبه الصناعي/العسكري بحثا عن عناصر للسبق أو للابتزاز...وهكذا دواليك بالصين كما باليابان كما بأوروبا.
 
من هنا وبقدر تزايد الحاجة إلى المعلومات (سيما ذات القيمة الاستراتيجية الكبرى) تزداد أهمية نظام إيشلون سيما مع اشتداد المنافسة العالمية وتوسع فضاء الجريمة وتبييض الأموال وتزايد وتيرة ما اصطلح على تسميته منذ 11 شتنبر 2001بالعمليات الإرهابية وغيرها.
 
 أصبح الأفراد كما الجماعات إذن عرضة للتجسس والتنصت (والاستنطاق حتما) لمجرد إبداء رأي أو تبني موقف أو الإفصاح عن اختلاف أو لمجرد الاشتباه بناء على طبيعة البشرة أو نوعية اللباس.
 
3
 
لرب قائل يقول: وما العيب، من لدن دولة كبرى كالولايات المتحدة، في اعتماد منظومة لها استعلامية واستخباراتية واسعة لا تضمن لها سبل الأمن فحسب، بل وأيضا مصادر في...
tracking img